سيد قطب

644

في ظلال القرآن

يجوز أن تكون هناك معركة في المجتمعات الجاهلية ؛ التي تنشئ أنظمتها من تلقاء نفسها ؛ وفق هواها ومصالحها الظاهرة القريبة . أو مصالح طبقات غالبة فيها ، أو بيوت ، أو أفراد . . ومن ثم تنتقص من حقوق المرأة لأسباب من الجهالة بالإنسان كله ، وبوظيفة الجنسين في الحياة ، أو لأسباب من المصالح الاقتصادية في حرمان المرأة العاملة من مثل أجر الرجل العامل في نفس مهنتها . أو في توزيع الميراث ، أو حقوق التصرف في المال - كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية الحديثة ! فأما في المنهج الإسلامي فلا . . لا ظل للمعركة . ولا معنى للتنافس على أعراض الدنيا . ولا طعم للحملة على المرأة أو الحملة على الرجل ؛ ومحاولة النيل من أحدهما ، وثلبه ، وتتبع نقائصه ! . . ولامكان كذلك للظن بأن هذا التنوع في التكوين والخصائص ، لا مقابل له من التنوع في التكليف والوظائف . ولا آثار له في التنوع في الاختصاصات والمراكز . . فكل ذلك عبث من ناحية وسوء فهم للمنهج الإسلامي ولحقيقة وظيفة الجنسين من ناحية ! وننظر في أمر الجهاد والاستشهاد ونصيب المرأة منه ومن ثوابه . . وهو ما كان يشغل بال الصالحات من النساء في الجيل الصالح ، الذي يتجه بكليته إلى الآخرة ؛ وهو يقوم بشؤون هذه الدنيا . . وفي أمر الإرث ونصيب الذكر والأنثى منه . وقد كان يشغل بعض الرجال والنساء قديما . . وما يزال هو وأمثاله يشغل رجالا ونساء في هذه الأيام . . إن اللّه لم يكتب على المرأة الجهاد ولم يحرمه عليها ؛ ولم يمنعها منه - حين تكون هناك حاجة إليها ، لا يسدها الرجال - وقد شهدت المغازي الإسلامية آحادا من النساء - مقاتلات لا مواسيات ولا حاملات أزواد - وكان ذلك على قلة وندرة بحسب الحاجة والضرورة ؛ ولم يكن هو القاعدة . . وعلى أية حال ، فإن اللّه لم يكتب على المرأة الجهاد كما كتبه على الرجال . إن الجهاد لم يكتب على المرأة ، لأنها تلد الرجال الذين يجاهدون . وهي مهيأة لميلاد الرجال بكل تكوينها ، العضوي والنفسي ؛ ومهيأة لإعدادهم للجهاد وللحياة سواء . وهي - في هذا الحقل - أقدر وأنفع . . هي أقدر لأن كل خلية في تكوينها معدة من الناحية العضوية والناحية النفسية لهذا العمل ؛ وليست المسألة في هذا مسألة التكوين العضوي الظاهر ؛ بل هي - وعلى وجه التحديد - كل خلية منذ تلقيح البويضة ، وتقرير أن تكون أنثى أو ذكرا من لدن الخالق - سبحانه « 1 » - ثم يلي ذلك تلك الظواهر العضوية ، والظواهر النفسية الكبرى . . وهي أنفع - بالنظر الواسع إلى مصلحة الأمة على المدى الطويل - فالحرب حين تحصد الرجال وتستبقي الإناث ؛ تدع للأمة مراكز إنتاج للذرية تعوض الفراغ . والأمر ليس كذلك حين تحصد النساء والرجال - أو حتى حين تحصد النساء وتستبقي الرجال ! فرجل واحد - في النظام الإسلامي - وعند الحاجة إلى استخدام كل رخصه وإمكانياته - يمكن أن يجعل نساء أربعا ينتجن ، ويملأن الفراغ الذي تتركه المقتلة بعد فترة من الزمان . ولكن ألف رجل لا يملكون أن يجعلوا امرأة تنتج أكثر مما تنتج من رجل واحد ، لتعويض ما وقع في المجتمع من اختلال . وليس ذلك إلا بابا واحدا من أبواب الحكمة الإلهية في إعفاء المرأة من فريضة الجهاد . . . ووراءه أبواب شتى في أخلاق المجتمع وطبيعة تكوينه ، واستبقاء الخصائص الأساسية لكلا الجنسين ، لا يتسع لها المجال هنا ، لأنها تحتاج إلى بحث خاص . . وأما الأجر والثواب ، فقد طمأن اللّه الرجال والنساء

--> ( 1 ) يراجع فصل : « المرأة وعلاقات الجنسين » في كتاب « الإسلام ومشكلات الحضارة » . « دار الشروق » .